إخوان الصفاء
302
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
والعنف بالرّفق ، والنّزق بالصبر ، والخرق بالأناة ، إذ كلّ مرض يعالج بضدّه . ومن التراب تكون قساوته وبخله وفظاظته وشحّه ويأسه وقنوطه وعزمه وإصراره ؛ ومن الماء يكون لينه وسهولته واسترساله ومعروفه وتكرّمه وسماحته وقوّته وقربه وقبوله ورجاؤه واستبشاره . فإذا خاف ذو اللّب أن يغلب عليه خلق من أخلاقه الترابيّة ، قابله بضدّه من الأخلاق المائية ، وألزمه إيّاه ليعدّله ويقوّمه ، فيقابل القسوة باللين ، والبخل بالعطاء ، والفظاظة بالبشر ، والشّحّ بالكرم ، واليأس بالرجاء ، والقنوط بالاستبشار ، والعزم بالقبول ، والإصرار بالعدل . » واعلم يا أخي بأن لكل خلق من الأخلاق أخوات مشاكلات ، ولهن اضداد مخالفات ، ولهن كلّهن أفعال متباينات متضادّات تحتاج إلى شرح لتبين وتعرف ، لأن هذا الباب من العلوم الشريفة والمعارف اللطيفة ، إذ كان من هذا الفنّ تعرف أخلاق الكرام من بني آدم ، وأخلاق الملائكة الذين هم سكّان الجنان ، كما ذكر اللّه تعالى فقال : « كِراماً كاتِبِينَ » و « كِرامٍ بَرَرَةٍ » ومن هذا الباب تعرف أيضا أخلاق الشياطين الذين هم أهل النّيران كما ذكر اللّه تعالى بقوله : « كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها . وقالوا : لا مَرْحَباً بِهِمْ ، إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ » ! وإذ قد تبيّن بما ذكرنا طرف من الأسباب المؤدية إلى اختلاف أخلاق الإنسان من جهة مزاج أخلاط جسده ، فنريد أيضا أن نذكر طرفا من الأسباب التي تكون من جهة اختلاف تربة البلاد ، وتغييرات أهويتها المؤدّية إلى اختلاف الأخلاق . فصل في تأثير طبيعة البلدان في الأخلاق واعلم يا أخي بأن ترب البلاد والمدن والقرى تختلف ، وأهويتها تتغيّر من جهات عدّة ، فمنها كونها في ناحية الجنوب ، أو الشّمال ، أو الشرق ،